عبد الرحيم مودن
قراءة في مجموعة “شامة” لعبد الحميد الغرباوي / “كوكا سام” نموذجا.
يظل عبد الحميد الغرباوي ابنا شرعيا لمرحلة السبعينيات . أقصد بالشرعية , وقد عبرت عن ذلك في وقت سابق ،الانتماء إلى هذه المرحلة إبداعا، قبل الانتماء إليها زمنا كما هو شأن أسماء كثيرة انتمت الى هذه المرحلة ، زمنا، دون أن تنتمي إليها إبداعا ،وانتمت إليها بالولاء، تحت ضغط تطورات تلك الأيام ،دون أن تنتمي اليها بالدم والعرق . وهذا ما أفرزته كتاباتها الفاقعة التي ظلت مخلصة لنموذج متهالك لم يستطع الارتقاء حتى إلى نصوص البدايات عند رواد القصة العربية ، خاصة التجربة التيمورية.
التجربة السبعينية، في الكتابة القصصية المغربية، لها ما لها، وعليها ما عليها، ولكنها في كل الأحوال قدمت نصا مغايرا للذائقة السائدة، من حيث الرؤية والتشكيل، على الشكل التالي:
أ- الانحياز إلى المضطهدين والمهمشين، اجتماعيا ونفسيا وجسديا، من خلال أوضاع محددة.
ب- الارتباط بالحس الوطني والقومي ، القضية الفلسطينية خاصة ، و تجلياتها الملموسة في الوطن والذات ،سواء تعلق الأمر بالأحداث الساخنة ( العراق، فلسطين، الاستبداد العربي…) أو تعلق الأمر بحالات القهر والحرمان التي نشترك فيها شرقا وغربا .
ج- الإخلاص لخصائص سردية محددة سار عليها الكاتب في نصوصه القصصية الى الآن . وبالرغم من توفر بعض التنويعات ( توظيف الصورة السينمائية – المونتاج…) فان ذلك لا يمنع من استمرار الثوابت السردية التي أخلص لها عبد الحميد الغرباوي في تجربته (حد أدنى من الحجم- التكثيف- التداعي- البؤرة السردية موضوعا أو حدثا أو ذكرى – التوازي والتقاطع- لغة وسطى يغلب عليها المتداول مع الترميم الشعري بين الفينة والأخرى- الحس النقدي- السخرية – التداخل بين المونولوج و الديالوج…الخ )
وهذه الثوابت السردية تسمح، كما سبقت الإشارة، بإضافة تنويعات معينة، وتسمح ،أيضا، بتطريز الكتابة القصصية بإضافات أخرى أصبحت من خصائص القصة المغربية القصيرة مثل حضور الطفل ، ساردا ومسرودا عنه أحيانا، وتحولات العجائبي، أحيانا أخرى، في اللغة (المعجم) والموضوع المخالف للمألوف (قصة كوكا سام في مجموعة شامة . سوريا. 2005 )
ولا شك أن هده الإضافات ساهمت في تكسير رتابة السرد عن طريق الضربات السريعة – كما هو شأن الرسام – القادرة على بناء نموذج ما، خاصة على مستوى الشخصية، يمرر من خلاله السارد خطابه الخاص (نموذج الحاكم العربي المستبد – الشهيد الطفل…)
“كوكا سام” (تحليل نموذج. مجموعة شامة. 2005 )
القصة مهداة الى (زكريا ثامر). وفي المجموعة اهداءات معينة الى كتاب عرب ( نبيل سليمان… )
ومن المؤكد أن الإهداء- وهو عتبة ثانية – يدعم العتبة الأولى (العنوان الرئيسي) في سياق توجيه عملية القراءة، ويصبح ، بذلك، دليلا هاديا في أنتاج قراءة معينة.
كوكا سام، عنوان منحوت من(كوكا) – المشروب المتداول – علما أن هدا المشروب قد يأخذ بعدا دلاليا ليصبح معادلا لكل منتوج سام، مثل (الماكدونالد). هذا هو الشق الأول من العنوان.
أما الشق الثاني فمكون من كلمة (سام) بمعنيين أساسيين: المعنى الأول وهو(العم سام كناية عن الرجل الأمريكي) والمعنى الثاني مستوحى من السم، أي المشروب السام.
المشروب الأمريكي السام، في النص، يأخذ بعدا آخر مجسدا في اجتياح الإنسان والأوطان، بعد القيام باختبارات مختبرية على الفئران من خلال تناول هذا المشروب الغريب الذي
يبث في الإنسان الذعر ، وينزع منه الشجاعة، ويروضه على الخنوع.
في مستوى آخر، سيسمح هذا المشروب، بعد انتشاره، لحكام العرب باستمرار تحكهم في رقاب الناس.
النص يستثمر، ادن ، هذا المحكي العجائبي، الذي أشاعته حضارة استهلاكية أمريكية تتجاوز المأكل والمشرب والملبس، نحو السيطرة على الفؤاد والوجدان، فضلا عن البلدان.
ولا شك أن النص قد خضع لحس ساخر مبطن بنغمة إديولوجية تسري بين ثنايا السرد مما يؤكد – وهذا ملمح سبعيني أيضا – على أن القصة عند ( عبد الحميد الغرباوي ) ظلت مخلصة لقضية ما دون السقوط في (حداثوية)
شكلية تتنكر لقضية النص وقضية الإنسان.
عزيزي ، عبد الحميد ، لا نملك الا الكتابة لمقاومة القتل اليومي ومنه مشروبك (الصاعق). مع كامل المودة.
عبد الرحيم مؤدن.
13_09_2007
