هذا المقال يحتوي على: 402 كلمة.

حجم الخط

remove add

 

6، 4، 3، 2 صمت. -آلو.. آلو!!

  • يتعذر عليكم الاتصال ٠٠

صمت.. 2،3، 1 صمت،. آلو. آلو!!

  • أنتم الآن مع.. المرجو الاتصال به لاحقا

صمت. خشخشة متأخرة صادرة عن الهاتف المحمول.. صمت 1،3،8 آلو.. لووو.. آل…!!

  • للاتصال بمخاطبكم، اتركوا رسالتكم بعد سماع الإشارة.

طيط. صمت.. نهاية الاتصال صمت 47.5

طيط طط طط طط.. نهاية المكالمة..

صمت!

وضعت الهاتف المحمول في جيب سترتي الداخلي وخرجت ٠٠ مررت على الحديقة العمومية فوجدتها ورشا تتعالى منه أصوات آلات التجريف، وصرخات العمال، والأوامر الصادرة من صلعات لامعة، ونشيج أشجار، وهزيم شاحنات تتابع سربها وكأنها تقدم مناورة عسكرية وهمية!! تابعت طريقي نحو منزل خالتي، شرق المدينة، ممنيا النفس بقهوة بالحليب والقرفة.. وصلت المنزل الهاجع في صمت

ثقيل، وجاءتني رائحة غريبة.. مزيح من لحم لم يستو بعد، ورائحة ند أو بخور..  لا أدري!! إذ ذاك تذكرت صوت خالتي منذ عصر ذلك اليوم الذي لم أعد اذكر منه إلا هذه الرائحة!! لعنت الشيطان، وادخلت يدي في جيب سروالي، وانتزعت قدمي من تراب وحجر وأقحوان بري وشواهد قبور.. كيف وصلت إلى هذا المكان؟! أعرف ان اخت خالتي.. اربد ان اقول: اعرف ان امي، وهي اخت خالتي، قد توفيت قبلها بسنين عديدة، ولكن! اتجهت نحو قبر أمي.. لا أثر للقبر!! المكان هو المكان.. القبر يواجه الجدار المهشم من سور المقبرة، وهو ينظر بعينيه العوراء إلى الدار الزرقاء!! المكان هو المكان لا أثر للقبر.. لا.. لعلي أخطأت في تحديد المكان.. لا القبر هو القبر.. ولكن!! القبر هو .. لا اثر للشاهد لا وجود للشاهد.. اجليت بصري.. لا أثر للشاهد.. اجليت بصري من جديد.. لا أثر.. التفت إلى الوراء، خلف السور.. دور عديدة توسطتها الدار الزرقاء.. دور بطابق وطابقين من شواهد عديدة مثلومة الأسماء والأشكال!! زنقة ال.. توفيت إلى.. يوم

زنق دار..19

قررت العودة من حيث اتيت، واثناء رجوعي مررت عل حلاق الدرب القديم، فوجدت مكانه “محلبة الأصدقاء” ، وسألت عن فران الحاج، ولم أكن محتاجا إلى جواب بعد أن بحلقت في عيون داعرة نوافد عمارة مائلة إلى البسار!! وأخذت أسرع الخطو نحو الساحة الرئيسية، فوجدتها مسيجة بأسلاك شائكة، وداخل الأسلاك الشائكة ترض متربة، وحفر مبثوثة، وازبال منثورة، واناس يدورون حول الأسلاك ويتوقفون! يدورون ويتوقفون.. يدورون ويدورون يدورون.

من بعيد، أبصرت وجها أعرفه.. هو بدون شك.. اقتربت منه.. هو ذاك.. كيف؟! هل يمكن؟! كانت الصفحة اليمنى لصديقي الموظف.. أما الصفحة اليسرى فكانت قطعة منزلة من صورة أخيه الأصغر الذي مات في حادث سير مند عامين!! وعندما سلمت علبه رد السلام بصوتين: صوت أعرفه جيدا، والصوت الثاني؟!  هل كان صوتا؟! لعله كان أنينا.. لازلت أذكر الحادثة المروعة.. لا أدري!! تراجعت إلى الوراء بعد أن احترت في تفسير ما رأيت، واخذت أجول بنظارتي دون أن يغادرني الوجهان!!

انطلقت من جديد نحو القيسارية العصرية، فلم أجد إلا مدخلا ضاق بالسلع المهربة على الجانبين. والمدخل علاه سواد دبق حل محل الاسم.. وتقدمت نحو كتاب الحومة الشهيرة باسمه، فوجدت بابا من حديد، علته يافطة تقول:

المرفوع:المعروف ب: أمين الفن الشعبي والعصري وما بينهما.. تسهيل في الأداء..

من غروب الشمس إلى طلوع الفجر.. العزف عل مختلف الآلات.. وعند الفورا بيان الحساب.. شعرت بالأعياء، ولم أجد أمامي إلا أن أسلك أقصر الطرق، طريق الوتادي الصغير، فتقدمت بحذر، ولم أجد أمامي إلا طريقا مسفلتا يقيء بماء قذر على الجانبين، وكان من الضروري أن أمر على زميلي في العمل لأخبره بضرورة إرسال إحدى الشهادات الضرورية إلى الإدارة المركزية، وعند طرقي للباب خرجت فتاة يافعة، فسألتها عن زميلي، فنظرت إلي باستغراب، وصفعت الباب في وجهي، وهي تقول: “الله يستر!” وأعدت النظر إلى الباب، ورفعت راسي إلى الرقم، ولويت عنقي نحو رقم الزنقة ٠. كان كل شيء في مكانه، وبدأت أفكر في تكرار المحاولة، فجاءني الصوت من وراء الباب.. صوت رجل غليظ والفتاة تردد: “لقد ذهب.. ذهب خليه.. مسكين.. “الله يستر!” وفضلت السلامة، وما علي الآن إلا الرجوع من حيث أتبت.. وعندما حاولت ذلك لم أجد مخرجا.. كان الدرب يؤدي إلى درب آخر، وهذا الأخير يصل إلى درب مسدود، فأعاود الكرة لأصل إلى درب مسدود، وأعاود من جديد، وانأ أفتش عن المحمول، في جيب سترتي الداخلي، بعد أن تعالى رنينه الذي كان غريبا عل مسمعي فأنا من المعجبين بالفصول الأربعة ل “فيفالدي” و ما أسمعه الآن، كان هو مقطع “اللي ما شرى يتنزه” طاطان قرقلاع ! ومع ذلك أخرجت الهاتف الذي بدا لي مثل غريق يستغيث، وضغطت عل الزر، وقلت: آلو.. صمت، ثم آلو ..   فجاءني صوت مخنوق. وكأنه يتكلم في صفيحة معدنية، وقال: هل أنت؟!

-أنا لا أحد.. وضغطت عل الزر، وانأ ما زلت أبحث عن مخرج، في هذا الوقت بالذات فرملت سيارة الشرطة، وطلب مني الشرطي “لاكارط” فأخرجتها، وأصابعي كانت فوق الصورة التي لم تكن إلا صورتي دون شك، ومددت عنقي قليلا فقرأت الاسم الذي!!

عبد الرحيم مودن، المغرب

المصدر

نسخ: مصطفى مرابط

شارك هذا المقال على:
الجسرة
أنا.. لا أحد!

كتب 83 مساهمة في هذه المدونة.

حول الكاتب :

إن أ.د.عبد الرحيم مؤذن، شخصية إنسانية وثقافية وإبداعية.فهو أديب وقاص وناقد مغربي وباحث خاصة في أدب الرحلات . ولد بمدينة القنيطرة المغرب سنة 1948 وتوفي بهولندا في 27 يوليو 2014م.

علق على هذا المقال :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*account_box
*email
*comment_bank
You may use these HTML tags and attributes: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>