هذا المقال يحتوي على: 493 كلمة.

حجم الخط

remove add

قرأت، أخيرا، خبر دعم قاعات سينمائية معينة بمدن مغربية عديدة (الأيام، ع،578،2013)

(مراكش / تطوان…الخ) من قبل المركز السينمائي المغربي ومصالح وزارية متعددة (وزارة الاقتصاد والمالية…الخ) بهدف رقمنتها، من جهة، والحفاظ -كميراث ثقافي- عليها ،من جهة ثانية.

لا يسع المرء إذن، سوى أن يثمن هذا الفعل الحضاري الذي يعيد الاعتبار للفرجة في أبعادها الترويحية والثقافية المتعددة.

السؤال المطروح: ما هو المقياس المتبع في دعم قاعة دون أخرى؟ هل يتعلق الأمر بطبيعة المدينة (المركز والمحيط)، أو بطبيعة القاعة السينمائية (القدم والحدوث/الموقع/الإشعاع الثقافي للقاعة/ المردودية المادية الخ).

كل المدن تتساوى في حق الفرجة الذي يعد حقلا إنسانيا لا جدال فيه. غير أن التعامل مع مسالك الفرجة، وصيغها، ووسائل تصريفها، يقتضي مراعاة شروط مادية، ورمزية، قد تتوفر في مدينة دون أخرى، وفي فضاء دون آخر. ومن ثم تصبح الفرجة شرطا لازما في فضاء يمتلك عناصر الفرجة، كما وكيفا، بل يمتلك تاريخا غنيا من لحظات الفرجة السنيمائية الممتعة، والتي كانت وراء متغيرات عديدة ساهمت في تطوير ذائقة الجمهور ومسلكياته اليومية المختلفة.

من أهم هذه الفضاءات المغيبة – لسبب أو لآخر- نجد مدينة القنيطرة.

بهذه المدينة ست قاعات سينمائية مغلقة في فترات متباعدة، وهي على الشكل التالي:

سينما (بالاس).

سينما ( فانتازيو).

سينما (تاناجرا).

وكل هذه القاعات بالمدينة الجديدة، أو “الأوروبية” سابقا،

سينما (إتحاد) بعد أن كانت تحمل اسم (سبلانديد) في أربعينيات القرن الماضي. وهي تقع في موقع مميز من المدينة القديمة التي ارتبطت ب (البورجوازية التجارية) المهاجرة، من فاس خاصة، من جهة، وباليهود المغاربة من جهة ثانية.

سينما (الرياض) بالمدينة الشعبية المؤسسة مع بداية الخمسينيات من القرن الماضي، والتي ارتبطت بالوافدين من أنحاء المغرب، في فترات مختلفة ولأسباب عديدة، وارتبطت، من جهة ثانية، بتحولات المنطقة التي تميزت بيد عاملة متنامية في مجالات صناعية وإنتاجية مختلفة (الحي الصناعي/ الأحواز، التجارة..)

سينما الأطلس: وهي آخر القاعات المبنية في مرحلة الإستقلال (بداية ستينيات القرن الماضي). ويمكن اعتبارها ملحقا ل (سينما الرياض) بحكم ارتباطها بالفضاء ذاته، فضلا عن نوعية الجمهور الذي ينتمي إلى المرجعية ذاتها، وضعا اجتماعيا وذائقة وتقاليد مشتركة.

عودة إلى المقاييس المتبعة في الدعم، إذا كان الأمر يتعلق بالقدم والحدوث، فالقنيطرة تضم قاعات سينمائية أقدم بكثير، أو قليل، من بعض القاعات ال سينمائية المدعومة. تكفي المقارنة بين سينما (الرياض) التي بنيت سنة1953، وبين سينما (كوليزي/ مراكش) المنتمية إلى المرحلة ذاتها. لا أحتاج إلى التذكير بأن قاعات سينمائية بالمدينة بنيت قبل هذه المرحلة بسنوات عدة (بالاس/ فانتازيو/ تانجرا..) ,splendide وتكفي الإشارة إلي سينما (إتحاد)، أو

المنتمية إلى مرحلة الأربعينيات من القرن الماضي ،لنلمس طبيعة الدلالة التاريخية التي كان من الضروري أخذها بعين الاعتبار في عملية الدعم.

وإذا تركنا مقياس القدم والحدوث جانبا، وانتقلنا إلى مقياس ثقافي محض، سنلمس دور هذه القاعات في الممارسة الثقافية، فضلا عن المتعة البصرية، في نشر قيم الحداثة، وتطوير أساليب التعامل مع واقع معين، فضلا عن الجانب المعرفي، والجمالي، الذي أسهمت في ترسيخه هذه القاعات المغتالة مع سبق الإصرار. وبالإضافة إلى هذا وذاك، لعبت بعض هذه القاعات دورا محوريا في نشر ثقافة سينمائية- ومدير المركز الحالي شارك مرارا في العديد من تظاهراتها- وتأسيس أندية سينمائية لعبت دورا ثقافيا لا ينكر. والذاكرة تسترجع -سينما بالاس مثلا- العديد من الحفلات الموسيقية، والعروض المسرحية (مومو بو خرصة للطيب الصديقي) ومهرجانات تضامنية مع الشعب الفلسطيني (فرع اتحاد كتاب المغرب) ولقاءات فكرية وحقوقية ( الجمعية المغربية لحقوق الإنسان) وتجمعات نقابية . واجتماعات مهنية لمؤسسات مختلفة.

ب (سينما الرياض)، المشار إليها أعلاه، عشنا أجمل لحظات العمر-خاصة مرحلة الستينيات من القرن الماضي- في الوقت الذي كانت فيه القاعة السينمائية فضاء للتعايش والمتعة وحب الحياة واكتساب القيم. والقاعة شهدت، أيضا، صبحيات للأطفال، وعروضا مسرحية عن مرحلة الصراع مع الإستعمار، وأخرى عن بداية انحراف مرحلة الاستقلال (مسرحية عيد القادر البدوي :في انتظار القطار، المستوحاة من مسرحية بيكيت المعنونة ب: في انتظار جودو) ،دون نسيان دور السينما في التوعية التوجيه والإرشاد. في سنة1957، نقرأ الخبر التالي:(كان يوم الأحد موعد المحاضرة التي ألقاها السيد… ب سينما الرياض في الساعة العاشرة صباحا تحت إشراف جمعية قدماء تلاميذ مدرسة التقدم: معالم الطريق.. وهكذا دامت المحاضرة حتى الحادية عشرة وعشر دقائق، وانتهت بالتصفيقات الحادة.) العلم,18/1/1957.

لم تكن القاعة ال سينمائية مخصصة للفرجة فقط، بل كانت ( مؤسسة) ثقافية لعبت أدوارا عديدة في السيرورة- والصيرورة أيضا- الاجتماعية. ويظل السؤال مطروحا، دون أن يغيب عن الذهن/ الجانب الذاتي في تطبيق هذه المعايير- و القنيطرة على بعد أربعين كيلومترا من العاصمة- فضلا عن العشوائية ، من جهة، ومخلفات ، من جهة ثانية، المغرب النافع وغير النافع، وما خفي أعظم!

جردت هذه المدينة من نهرها ، ومن فضاءات عديدة كانت مسرحا للمعرفة والمتعة، وسرقت منها الكنيسة والساعة والخيزران الذي قارب المائة عام وطيور التم والميناء الذي احتل الرتبة الثالثة

1913 ،وسمك الشابل، وأشجار ميموزا، والماء العذب الذي لا نظير له، بعد أن اخترقت فرشته أطنان المزبلة الشهيرة المتربعة على الضفة الأخرى للنهر- ومستشفى الأمراض الصدرية بجانب المسجد العتيق الذي تحول إلى تجزئة سكنية..وعطلت مصالح عديدة مثل الميزان العمومي- بالمدخل الشمالي للمدينة- والذي كان يعكس ازدهار الحركة التجارية بالمدينة، ودمرت مبنى السياحة الزجاجي، وجمدت أطلال المركب الثقافي، وعطلت (النوافير) التي لم تعد تنتج سوى الغبار ،أو الطحالب، وفي أحسن الأحوال سالت بجملود صخر اتخذ شراعه شكل خازوق ، أو لعبة رديئة سويت على عجل.. وأغلقت معامل و”مانفاكتورات” ومؤسسات ومصالح، وانزلت العمارات بالمظلات، ولجأت الساكنة إلى تجزئات متوحشة توفر الشرط البيولوجي لا غير… والناس لاهم لهم سوى النظر من عدسات الأبواب في انتظار العبث. هذا غيض من فيض. وآخر هذه الإبداعات حرمان الناس من (شرطهم الإنساني)، حرمانهم من متعة بسيطة كانت تحققها القاعة السينمائية التي أجهزت على البعض منه معاول الهدم (فانتازيو مثلا)، والبعض الآخر معروض في المزاد العلني (سينما اتحاد)، وما تبقى أصبح مثوى للذين لا مثوى لهم!

عبد الرحيم مؤذن

شارك هذا المقال على:
الحق في الفرجة

كتب 83 مساهمة في هذه المدونة.

حول الكاتب :

إن أ.د.عبد الرحيم مؤذن، شخصية إنسانية وثقافية وإبداعية.فهو أديب وقاص وناقد مغربي وباحث خاصة في أدب الرحلات . ولد بمدينة القنيطرة المغرب سنة 1948 وتوفي بهولندا في 27 يوليو 2014م.

علق على هذا المقال :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*account_box
*email
*comment_bank
You may use these HTML tags and attributes: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>